أحمد مصطفى المراغي
95
تفسير المراغي
( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ) أي إنهم لما تركوا ما ذكّرهم به الصالحون وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسىّ في كونه لا تأثير له . ( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) أي أنجينا الذين ينهون عن العمل السيئ وهما الفريقان الآخران . ( وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) أي وأخذنا الذين ظلموا أنفسهم بشديد العذاب بسبب تماديهم في الفسق حتى صار ديدنهم وهجّيراهم . والخلاصة - إنه لما ذكّر المذكّرون ولم يتذكر المعتدون أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين . وقد جرت سنة اللّه بألا يؤاخذ الظالم في الدنيا بكل ما يقع منه من ظلم ولو كان قليلا في الصفة أو العدد كما يدل على ذلك قوله : « وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ » وقوله : « وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » * ولكنه يؤاخذ الأمم والشعوب في الدنيا قبل الآخرة بما يقع منها من ظلم يظهر أثره بالاستمرار عليه كما قال : « وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » كما عاقب اللّه بني إسرائيل كافّة بتنكيل البابليين ثم النصارى بهم وسلبهم ملكهم حين عم فسقهم ولم يدفع ذلك وجود بعض الصالحين فيهم . وعلى الجملة فالآية صريحة في هلاك الظالمين الفاسقين ونجاة الصالحين الذين نهوهم عن عمل السوء وارتكاب المنكر ، وسكت عن الفرقة التي أنكرت على الواعظين وعظهم وإنكارهم ، وهي ناجية أيضا لأنها كانت منكرة للمنكر مستقبحة له بدليل أنها تفعله ، وإنما لم تنه عنه ليأسها من فائدة النهى واعتقادها أن القوم قد استحقوا عقاب اللّه بإصرارهم على الفسق فلا يفيدهم الوعظ وهذا رأى ابن عباس . ( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) أي فلما تمردوا وتكبروا وأبوا أن يتركوا ما نهاهم عنه الواعظون قلنا لهم كونوا قردة صاغرين أذلاء بعداء عن الناس : أي تعلقت إرادتنا بأن يكونوا كذلك .